بعد نكسة الانتخابات.. الديمقراطيون يبحثون عن طريق العودة

بندر الدوشي
شهد الحزب الديمقراطي الأميركي واحدة من أكبر نكساته السياسية في العقود الأخيرة عقب انتخابات الرئاسة لعام 2024، حيث خسر البيت الأبيض والكونغرس معًا، ما أثار أسئلة حادة حول مستقبله واستراتيجيته الانتخابية.
أسفرت الانتخابات عن فوز الرئيس دونالد ترامب على نائبة الرئيس كامالا هاريس بفارق واضح، ليصبح أول جمهوري منذ جورج بوش الابن عام 2004 يحصد التصويت الشعبي أيضًا. وعلى الصعيد التشريعي، فقد الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ وفشلوا في استعادة مجلس النواب، ما جعلهم خارج السلطة الفيدرالية تمامًا. أما على مستوى الولايات، فقد فازوا بثلاث فقط من أصل 11 سباقًا لحكام الولايات، وحصلوا على أقل من 45% من مقاعد المجالس التشريعية المحلية، في مؤشر على عمق الهزيمة.
أظهرت مراجعات الحزب أن أبرز أسباب التراجع هو تآكل الدعم داخل الشرائح التي شكّلت تقليديًا عموده الانتخابي. فقد خسر الديمقراطيون جزءًا كبيرًا من ناخبي الطبقة العاملة، لا سيما بين اللاتينيين والرجال السود. وتشير الاستطلاعات إلى أن أصوات الناخبين من أصول إسبانية تحولت نحو الجمهوريين بنسبة قاربت 30 نقطة، مع هوامش أكبر بين الشباب والذكور من هذه الفئة.
كذلك، انخفضت حصة الديمقراطيين من الناخبين دون سن الـ45، بينما تراجعت نسبة المشاركة في الأحياء ذات الدخل المنخفض من الأميركيين السود بمعدل 7% مقارنة بانتخابات 2020.
وتُعد أزمة التسجيل إحدى أبرز المؤشرات على الضعف البنيوي للحزب. فقد خسر الديمقراطيون نحو 4.5 مليون ناخب مسجل بين 2020 و2024، مقابل كسب الجمهوريين 2.4 مليون ناخب جديد. وفي الولايات المتأرجحة الأربع التي حسمت المعركة أريزونا، ونيفادا، وكارولاينا الشمالية، وبنسلفانيا تراجعت أعداد الديمقراطيين، فيما نجح ترامب في الفوز بها جميعًا. ويصف مايكل بروسر، المتخصص في تحليل بيانات التسجيل، هذا التراجع بأنه “رياح معاكسة قوية” قد تلاحق الديمقراطيين حتى انتخابات التجديد النصفي 2026 والرئاسية 2028.
وتعمقت الانقسامات داخل الحزب حول تفسير أسباب الهزيمة. فريق يلقي باللوم على الأوضاع الاقتصادية العالمية بعد الجائحة والتضخم، معتبرًا أن الرسالة الديمقراطية لا تزال صالحة لكن جرى إيصالها بشكل ضعيف. في المقابل، يرى آخرون أن الحزب يواجه أزمة أعمق تتمثل في فقدان الصلة مع الطبقة العاملة، والفشل في مواجهة جاذبية ترامب الشعبوية. الجدل امتد أيضًا إلى سياسات الهوية، حيث اتهم بعض المعتدلين التيار التقدمي بالتركيز المفرط على الوعي الاجتماعي وإهمال القضايا الاقتصادية. بينما يرى التقدميون أن الحزب فشل في تقديم أجندة اقتصادية قوية، خصوصًا بعد تراجع مبادرات مثل توسيع الدعم الحكومي للأطفال.
قرار استبدال الرئيس جو بايدن بكامالا هاريس بعد انسحابه في يوليو 2024 أثار جدلاً كبيرًا. إذ رأى بعض القيادات، مثل نانسي بيلوسي، أن الانتخابات التمهيدية المفتوحة ربما كانت ستفرز مرشحًا أقوى. لكن دعم بايدن المباشر لهاريس قيّد الخيارات، وأدى إلى حملة لم تستطع التمايز عن سجل الإدارة السابقة، ففشلت في استمالة ناخبي الولايات المتأرجحة.
لم تكن انتخابات 2024 مجرد هزيمة للديمقراطيين لكنها أيضا دحضت مجموعة من الافتراضات الديمقراطية القديمة. فقد أظهرت النتائج أن ارتفاع نسبة المشاركة لا يعني بالضرورة مكاسب للديمقراطيين، إذ تمكنت حملة ترامب من استقطاب ناخبين غير معتادين على التصويت، أغلبهم من غير الجامعيين وذوي الدخول المتوسطة. كما انهارت فرضية أن التغيرات الديموغرافية خاصة نمو أعداد اللاتينيين ستؤمن أغلبية دائمة للديمقراطيين، بعدما حصد ترامب تقدمًا ملحوظًا بينهم. ووفق استطلاعات الخروج، فاز ترامب بالناخبين غير الحاصلين على شهادة جامعية ضمن دخول تتراوح بين 30 ألفًا و100 ألف دولار، وهي قاعدة كانت تاريخيًا ديمقراطية.
كما أنّ توسع حملة ترامب إلى ولايات ساحلية تقليديًا محسوبة للديمقراطيين مثل نيويورك وكاليفورنيا، ضيق الهوامش هناك وعزز تصويت الجمهوريين على المستوى الشعبي، وهو ما أجبر الحزب على إدراك أنهم لم يعودوا قادرين على الاعتماد فقط على المعاقل الزرقاء على الساحل، بل يتعين عليهم التنافس حتى في الجنوب والولايات الحمراء.
حاليا، يتجه الحزب الآن إلى اختيار رئيس جديد للجنة الوطنية الديمقراطية في فبراير 2025. والمرشحان البارزان كين مارتن وبن ويكلريقدمان رؤى مختلفة: الأول يركز على إعادة بناء الثقة عبر المسؤولين المحليين، بينما الثاني يراهن على التنظيم الشعبي في الولايات المتأرجحة. وفي الوقت ذاته، يسعى الاستراتيجيون إلى ابتكار أساليب جديدة مثل الإعلان عبر منصات يتردد عليها الناخبون الجمهوريون وطرق أبواب الناخبين في المناطق الريفية. لكن هذا الجهد يصطدم بمعدلات رضا متدنية عن الحزب بلغت 27% فقط وفق استطلاع لشبكة “إن بي سي نيوز” وهو أدنى مستوى منذ عام 1990.
ويحذر خبراء الحزب من أن تجاهل التحول الزلزالي في توجهات الطبقة العاملة سيؤدي إلى خسائر أكبر مستقبلًا. وإذا لم يُعِد الحزب صياغة رسالته الاقتصادية والاجتماعية بما يتماشى مع أولويات هذه الفئة، فقد يجد نفسه في مسار انحداري يستمر حتى انتخابات 2028.
هناك من يرى أن الديمقراطيين قادرون على استعادة الزخم إذا أعادوا بناء تحالف متين مع العمال والأقليات، لكن تبقى الحقيقة أن الانتخابات الأخيرة وضعتهم أمام لحظة اختبار تاريخية: إما إصلاح جذري للرسالة والقيادة، أو استمرار التراجع في سقوط حر قد يغيّر الخريطة السياسية الأميركية لعقود مقبلة.